ابن عجيبة

362

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً ؛ أعرض عن تدبرها متكبرا رافعا نفسه عن الإصغاء إلى القرآن ، كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها ؛ كأنه لم يسمعها ، ولا ذكرت على سمعه . شبّه حاله بحال من لم يسمعها قط ، كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً ؛ ثقلا وصمما ، فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ؛ أخبره بأن العذاب يوجعه لا محالة . وذكر البشارة على سبيل التهكم . وهذا في مقابلة مدح المحسنين المقيمين المزكين . فكما قال في المحسنين : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، قال في هؤلاء : أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ، بعد أن وصفهم بالضلال والإضلال ، في مقابلة المحسنين بالهداية والفلاح . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : لهو الحديث هو كل ما يشغل عن اللّه ، ويصد عن حضرة اللّه ، كائنا ما كان ، سواء كان غناء أو غيره ، وإذا كان الغناء يهيج لذكر اللّه ، ويحرك الروح إلى حضرة اللّه ، كان حقا ، وإذا كان يحرك إلى الهوى النفساني كان باطلا . والحاصل : أن السماع عند الصوفية ركن من أركان الطريقة ، بشروطه الثلاثة : الزمان والمكان والإخوان . وقد ألف الغزالي تأليفا في تكفير من أطلق تحريم السماع . وقال في الإحياء ، في جملة من احتج به المحرّم للسماع : احتج بقوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ، وقد قال ابن مسعود والنخعي والحسن : إنه الغناء . وأجاب ما حاصله : أنه إنما يحرم إذا كان استبدالا بالدين ، وليس كل غناء بدلا عن الدين ، مشترى به ، ومضلا عن سبيل اللّه ، ولو قرأ القرآن ليضل عن سبيل اللّه كان حراما . كما حكى عن بعض المنافقين ؛ أنه كان يؤم الناس ولا يقرأ إلا بسورة عبس ، لما فيها من العتاب مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فهمّ عمر بقتله . فالإضلال بالشعر والغناء أولى بالتحريم . ه . وأما إن لم يكن شئ من ذلك ، فلا يحرم . وقال في القوت ، في كتاب المحبة : ولم يزل الحجازيون ، عندنا بمكة ، يسمعون السماع في أفضل أيام السنة ، وهي الأيام المعدودات ، التي أمر اللّه عز وجل عباده فيها بذكره ، أيام التشريق ، من وقت عطاء بن أبي رباح ، إلى وقتنا هذا ، ما أنكره عالم ، وكان لعطاء جاريتان تلحّنان ، فكان إخوانه يستمعون إليهما ، ولم يزل أهل المدينة مواطئين لأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا . وأدركنا أبا مروان القاضي ، له جوار يسمعن التلحين ، قد أعدهن للطوافين . فكان يجمعهن لهم ، ويأمرهن بالإنشاد ، وكان فاضلا . وسئل شيخنا أبو الحسن بن سالم ، فقيل له : إنك تنكر السماع ، وقد كان الجنيد وسرى السقطي وذو النون يسمعون ؟ فقال : كيف أنكر السماع وقد أجازه وسمعه من هو خير منى . ه . وقال ابن ليون التجيبى في الإنالة : روى عن مصعب بن الزبير ، قال : حضرت مجلس مالك ، فسأله أبو مصعب عن السماع ، فقال : ما أدرى ، إلا أن أهل العلم ببلدنا لا ينكرون ذلك ، ولا يقعدون عنه ، ولا ينكره إلا غبي